Comment

قبر الغريب سقاك الرائح الغادي..

 

كتب يوم السبت 15 من سبتمبر 2012

تحط الطائرة في مطار اسطنبول صباح يوم الجمعة الرابع عشر من سبتمبر 2012.. أتوجه مسرعا للخروج من المطار لتقلني السيارة إلى حيث انعقاد منتدى الشباب العرب والأتراك وقد تأخرت عن وقت الافتتاح. تسرع السيارة عبر شوارع اسطنبول المزدحمة، وبدا أن الطريق طويل إلى الجانب الأسيوي حيث يعقد المنتدى، فاستعنت بالكتاب الذي لا يفارقني، رواية "قمر على سمرقند".. بدأت أكمل الرواية في صفحاتها المائة الأخيرة.. أتعمد التباطؤ في القراءة أو الشرود أحيانا.. لا أريد للراوية أن تنتهي فصولها الآن.. وفي أجزائها الأخيرة بدت تتسارع أحداثها وتتساقط أوراقها من يدي بسرعة نحو النهاية.. بدأ الزحام يتلاشى تدريجيا، ويتسع الأفق ليظهر البحر من بعيد.. 

تعبر السيارة مضيق البسفور من عالم إلى عالم، من شطر الأرض إلى شطرها الآخر، تعبر من الجانب الأوروبي إلى الجانب الأسيوي من إسطنبول.. أخرج يدي من السيارة.. أتحسس الهواء.. أتأمل موج البحر المتكسر.. فتذكرت قصيدة المعتمد بن عباد مطلعها: "صنع الريح من الماء زرد".. وقد زرت قبره قريبا ووقفت على التاريخ أتأمله وما صنع الله فيه..

شطر بيت الشعر هذا كان روح المعتمد بن عباد.. وعجزه كان شطر روحه الآخر.. كان مع رفيقه ابن عمار عندما كان يتأمل موج البحر المتكسر مع الريح فقال يصفه "صنع الريح مع الماء زرد" ثم سأل ابن عمار أن يكمل شطر البيت فتلكأ.. فأتاه الرد من جارية حسناء كانت تغسل الثياب على الشاطيء.. فأكملت البيت: "أي درع لقتال لو جمد".. كانت تلك اعتماد الرميكية جمع بينهما ذلك البيت من الشعر وما فرق بينهما إلا القبر.. ما أحب المعتمد سواها.. دفنت بجانبه حيث نفاه يوسف بن تاشفين إلى "أغمات" في مراكش.. ماتت قبله فرثاها ثم أدركها بعد ثلاثة أشهر.. حزنا عليها.. وقد عاشت معه نعيم الحياة ومرارتها..

شغفني التاريخ بزيارة قبره وتأثرت كثيرا.. يثير الشجن شعر ابن عباد الذي أوصى بأن يكتب على قبره.. ثم شعر المؤرخ لسان الدين الخطيب الذي زاره من بعد..

مطلع قصيدته التي كتبت على القبر:

قبر الغريب سقاك الرائح الغادي *** حقا ظفرت بأشلاء ابن عبّادِ

رحم الله ابن عباد ملك اشبيلة.. درة الأندلس.. وغفر له إن أخطا..

 

 

 

قَبرَ الغَريب سَقاكَ الرائِحُ الغادي 

 

 

حَقّاً ظَفَرتَ بِأَشلاء ابن عَبّادِ

 

 

بِالحِلمِ بالعِلمِ بِالنُعمى إِذِ اِتّصلَت 

 

 

بِالخَصبِ إِن أَجدَبوا بالري لِلصادي

 

 

بالطاعِن الضارِب الرامي إِذا اِقتَتَلوا 

 

 

بِالمَوتِ أَحمَرَ بالضرغمِ العادي

 

 

بالدَهر في نِقَم بِالبَحر في نِعَمٍ 

 

 

بِالبَدرِ في ظُلمٍ بِالصَدرِ في النادي

 

 

نَعَم هُوَ الحَقُّ وَافاني بِهِ قَدَرٌ 

 

 

مِنَ السَماءِ فَوافاني لِميعادِ

 

 

وَلَم أَكُن قَبلَ ذاكَ النَعشِ أَعلَمُهُ 

 

 

أَنَّ الجِبال تَهادى فَوقَ أَعوادِ

 

 

كَفاكَ فارفُق بِما اِستودِعتَ مِن كَرَمٍ 

 

 

رَوّاكَ كُلُّ قَطوب البَرق رَعّادِ

 

 

يَبكي أَخاهُ الَّذي غَيَّبتَ وابِلَهُ 

 

 

تَحتَ الصَفيحِ بِدَمعٍ رائِح غادي

 

 

حَتّى يَجودَكَ دَمعُ الطَلّ مُنهَمِراً 

 

 

مِن أَعيُن الزَهرِ لم تَبخَل بِإِسعادِ

 

 

وَلا تَزالُ صَلاةُ اللَهِ دائِمَةً 

 

 

عَلى دَفينكَ لا تُحصى بِتعدادِ

 

Comment

Comment

في صيف عام 2012 تلقيت الدعوة مجددا لزيارة طهران والمشاركة في المهرجان الدولي للأفلام السينمائية القصيرة. لم يكن بالإمكان تفويت هذه الفرصة أو مقاومة غواية السينما الإيرانية التي أنجبت مجيد مجيدي مخرج فيلم "لون الجنة"، وبدون تردد اتخذت ذلك اليوم قرارا حاسما..

 

أمّا قبل..
عندما أرسلت تدوينتني الأولى (مرحبا بك في طهران) إلى هافينغتون بوست عربي، طلبت من الزملاء المحررين أن تنشر على جزأين، واقترحت عليهم إضافة الرقم (1) للعنوان حتى يفهم القارئ العزيز أن ثمة وجه آخر للحكاية. أعترف أنني كتبت هذه المقالة أو سمها "يوميات" إن شئت في عام 2007 عندما زرت طهران للمرة الأولى. في العادة أكتب يومياتي عند السفر وأحتفظ بها لنفسي، ربما لأنني مثلما قال الروائي أمين معلوف في رحلة بلدسار "أكتب مثلما أصمت". لو حانت الفرصة يوما ما كنت سأنشر هذه القصاصة قبل الربيع العربي، أمّا بعده، فأصبحت مترددا لأن صورة إيران في خاطري لم تعد كما كانت. ولذلك ظلت هذه الذكريات حبيسة أوراقي تلحّ عليّ بشدة كل يوم طيلة ثمانية أعوام وأقاومها إلى أن أفلتت من قبضتي ووجدت طريقها إلى النشر.

ظننت أن الوقت مناسب لنشر هذه القصاصة لا سيما مع الجدل الكبير حول علاقة العرب بإيران. في الجزء الأول حاولت أن أكون أمينا مع ذكرياتي، وسردت مشاهداتي في طهران وأنا أدرك أن البعض سيعدّ ذلك غزلا فاحشا في إيران في الوقت الذي تتهم فيه الأخيرة بأنها مسؤولة عمّا يجري في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

إيران ليست شراً محضاً، وكنت أقول لنفسي دائما إنه لا يجب في إيران أو سواها أن نحمل الشعب وزر النظام كلّه، أو أن نترك الكراهية تحجب عنّا رؤية الحقيقة كما هي. ولكنني في الوقت نفسه مثل كثير من الشباب العربي لا يمكن أن أتجاهل اليوم حقيقة أن إيران أحد المكابح التي تباطأت بفعلها ثورات الربيع العربي، وينتابني شعور مؤلم بأنها تغولت في أرضنا وسمائنا، وباتت تحصارنا من كل اتجاه.

كنت حتى بدايات الربيع العربي، أقنع من حولي بأن إيران هي جوارنا الحضاري، وأنه لا مفر من التفاهم والتعايش مع هذا الجوار. لم أتخل عن قناعتي هذه لأن البديل هو أن يُفني جاران أو قل عدوان أحدهما الآخر، ولكنني مقتنع بأنه لا بد من مواجهة النظام الإيراني لأنه تورط في جرائم حرب في سوريا بدعمه نظام بشار الأسد ومليشيات حزب الله.. لأنه أيقظ النزعة الطائفية في اليمن وحرض الحوثيين على أبناء جلدتهم.. لأنه أدخل العراق في دوامة الاقتتال المذهبي وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم..

 

لا ألوم إيران في كل شيء لأن تشظينا واستبداد أنظمتنا سمح لها بالتوسع في محيطنا، لكني أستطيع أن أرى بصماتها في كل مكان.
 
إن الكتابة هي ابنة الزمان والمكان، تتبدل الآراء والمواقف وتبقى المبادئ. أتساءل إن كان ما كتبته عام 2007 كان صورة جميلة على الحقيقة أم أنها الصورة الحالمة التي أحببت أن أراها في إيران. في زمن الثورة الإسلامية داعبت إيران أشواق الشباب في التغيير، وفي زمن الممانعة رفعت لواء مقاومة الإحتلال الإسرائيلي ومناكفة الهمينة الأمريكية. أما في زمن الربيع العربي فأجهضت إيران أحلام السوريين في ربيعهم، وتصالحت مع من كانت تدعوه بالأمس "شيطانا".

كنت أتمنى أن أكتب عن إيران التي احتضنت حزب الله لتحرير الجنوب ومقارعة إسرائيل في حرب تموز عام 2006. كنت أتمنى أن أكتب عن إيران التي ساندت المقاومة الفلسطينية ووقفت حجر عثرة في طريق المشروع الأمريكي في المنطقة. كنت أتمنى أن أكتب عن إيران التي لا تستعدي جيرانها العرب وتمتطي صهوة النزعة المذهبية للتمدد في ديارهم.

أمّا بعد..

عندما وصلتني الدعوة الثانية لحضور مهرجان إيران الدولي للأفلام القصيرة عام 2012 اعتذرت عنها دون تردد. لم أحتمل فكرة المشاركة في مهرجان رسمي يجمل قبح النظام الإيراني وأمام عيني مشاهد قتل عشرات الآلاف من السوريين بالبراميل المتفجرة وبأيدي المليشيات الطائفية. لم أحتمل فكرة منح النظام فرصة غسل جرائمه التي لا تخطئها العين باستخدام الفن واستقطاب الصحفيين والمخرجين.

باختصار.. كانت هذه حكاية الجزء الأول في التعبير عن حالة من التيه والحيرة والصراع التي تنتابني مثل كثير من الشباب العربي. ووجدت ثلاثة أنواع من الردود إما ثناء على الكتابة أو عتابا أو هجوما. أما الأول والثاني فقدرت من شجعني أو انتقد وجهة نظري في إطار من الذوق والاحترام. وأما النوع الثالث فكان يريدني أن ألغي عقلي تماما وأن أشيطن إيران دون أن أقول ما لها وما عليها. كان من الأسهل عليّ أن أكتب مقالا مشحونا يهاجم إيران وأحظى بالتصفيق، لكن ما أردته هو أن أكتب ما يستفز الجدل ويثير النقاش. غضبي من النظام الإيراني بسبب شروره في سوريا والعراق واليمن ولبنان لن يجعل من السينما الإيرانية فنّا قبيحا.. غضبي من السياسة الإيرانية إزاء جوارها لن يجعل الشعب الإيراني في نظري "عفاريت بمظهر بشري".. غضبي من إيران لن يجعلني في موقف الجلاد ويمنعني من البحث عن الحقيقة وسط الركام.

Comment

Comment

لم يتبق على وقت السفر سوى ساعات قليلة وأنا لم أحصل بعد على تأشيرة الدخول إلى إيران. كنت مدعوا للمشاركة في مهرجان إيران الدولي للأفلام الوثائقية الذي سينطلق قريبا، ولم أكن متيقنا حتى اللحظة الأخيرة بأنني سأحصل على التأشيرة، ولذلك فقد ذهبت إلى العمل في ثالث أيام العيد بشكل اعتيادي دون أن أتخذ أية استعدادات للسفر. وبعد أن تجاوزت الساعة التاسعة بقليل اتصل بي الملحق الصحفي في السفارة الإيرانية في الدوحة السيد شامسي زاده وطلب مني الحضور لاستلام التأشيرة. كانت مفاجأة! بإمكاني اللحاق بطائرة تغادر الدوحة في حدود الساعة الثالثة. ذهبت إلى السفارة ووجدت في استقبالي الملحق الصحفي. كان شابا في أواخر الثلاثينات إن أحسنت التقدير، يتسم باللباقة والتهذيب الشديدين، وكانت تبدو عليه السعادة أكثر مني لحصولي على التأشيرة ربما لرغبته في تقديم صورة مغايرة عن تلك التي طبعتها وسائل الإعلام عن إيران والإيرانيين. قد يكون ما سمعته من زملاء قاموا بتغطيات صحفية داخل إيران كان صحيحا، وأن السلطات تفرض رقابة شديدة على تناول أي موضوع أو تصوير أي شيء، لكن أعتقد أن ذلك مبالغا فيه لأنني شخصيا وجدت هذه القيود التي يتحدثون عنها في "البلدان العربية المعتدلة"، وصادفت رجال أمن لا يفارقوننا كالظل في كل مكان تجولنا فيه. وفي حين أن إيران تسمح لقناة الجزيرة بالعمل على أراضيها، وإن بقيود، فإن دولا عربية عديدة تمنعها من ذلك. على كل حال لا يزال الوقت مبكرا كي أرسم الصورة التي سأراها بنفسي، ولا يزال من المبكر أيضا إصدار الحكم على الأشياء قبل فهمها فهما صحيحا.

ما زالت أمامي ساعة للحاق بالطائرة.. على عجل حزمت حقيبة صغيرة وتأكدت من أخذ كاميراتي الفوتوغرافية وجهاز الحاسوب، ودعت عائلتي، وبعد فترة وجيزة وجدت نفسي في الطائرة على ارتفاع آلاف الأقدام نحو الشرق.

رغم أني كثير السفر إلا أنها المرة الأولى التي أتجه فيها نحو الشرق، وأتجاوز الخليج العربي (الرأي) أو الخليج الفارسي (الرأي الآخر) الذي ولدت على ضفافه باتجاه طهران. كان المشهد من الطائرة ضبابيا معظم الوقت، تماما كما هو المشهد الإيراني في ظل الظروف الراهنة، ولم أستطع سوى في لحظات صفاء قليلة مشاهدة الأرض بصورة واضحة.. كانت تضاريس إيران تبدو وعرة من السماء، جبال متناثرة، ووهدان على الأقل في مسار الرحلة بين الدوحة وطهران. كنت أمسك بيدي كتاب الصحفي روبرت فيسك "الحرب الخاطفة"، ووصلت في صفحاته إلى حديثه عن الصورة التي قدمها بعض الساسة البريطانيين عن الأفغان أثناء الاستعمار البريطاني في القرن التاسع عشر، وكنت تستطيع أن تقارن بنفسك وبطريقة غير مباشر بين الصورة المشحونة بالمواقف التي يقدمها السياسي، والصورة التي ينقلها الصحفي النزيه. كان روبرت فيسك الذي غطى الاجتياح الروسي لأفغانستان أواخر 1979 ثم زارها مرارا ليلتقي بن لادن بعد عقدين، كان يتحدث عن كتاب ورثه عن والده ويقول فيه: ]] وجدته عبارة عن "مغامرة إمبريالية" تحت عنوان "قصة الحرب الأفغانية: توم غراهام". إن هذه القصة نموذجية بالنسبة لجيل والدي، فهي قصة عنصرية عنيفة هادرة عن البطولة الإنغليزية والموقف السلبي تجاه بعض القضايا الإسلامية... أما ما تبقى من الرواية فكان قصة مثيرة للانزعاج بخصوص التحيز ضد لون البشرة، ورهاب الأجانب خوفا وكرها، والضغينة ضد المسلمين في الحرب الأفغانية الثانية... وهكذا وُصف الأفغان في تلك الرواية بأنهم "مجموعة رديئة" "متعصبون" "أوغاد"، "عفاريت بمظهر بشري".. من تعابير "الأنذال الأوغاد"، إلى "الذباب" إلى "العبيد" الواقعة في مائة صفحة، يسهل على القارئ أن يرى كيف أن البريطانيين "الأنقياء، النظيفي اليد المستقيمين" الذين شكلوا العالم الذي عاش فيه أبي، نظروا إلى أعدائهم كبهائم. ومع أنه ورد ذكر "جرأة" رجال القبائل عدة مرات و"شجاعتهم" مرة واحدة، فلم تكن هناك محاولة لتفسير وتعليل أفعالهم. فلقد وصفوا بأنهم أشرار حافلون بالبغضاء، ومتلهفون لإثبات إسلامهم بتقطيع أعدائهم البريطانيين. لكن فكرة أن الأفغان لا يريدون الغزاة الأجانب الذين يحتلون بلادهم، غير واردة في الرواية.[[ انتهى الاقتباس.

بعد ساعة ونصف تقريبا حطت بنا الطائرة على أرض مطار الإمام الخميني في طهران. كانت الشمس تتوارى خلف خمارها كالحسناء في خدرها، وكانت النساء أيضا على متن الطائرة يوارين رؤوسهن بغطاء خفيف؛ فبعد أن كن حاسرات الرأس ويرتدين آخر ما ابتكرته الموضة الأوروبية، شرعن بارتداء وشاح أسود يغطي نصف شعر الرأس بينما يبقى النصف الأمامي منه مكشوفا في أبهى زينته.. إننا الآن في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لقد كان هذا الغطاء الذي تضعه النساء على رؤوسهن فقط عند الوصول إلى إيران يشي بأن ثمة غطاء يحجب عنا رؤية إيران على الحقيقة، وأن ثمة وجه آخر غير الوجه الذي نعرفه.

كان الغموض يزعجني لدى دخولي إيران، وتحسبت لإجراءات أمن مشددة، وتفتيش دقيق في "محور الشر". كنت أظن أن شخصا ما سيتبعني من سلم الطائرة لمراقبة تحركاتي كصحفي ومن قناة الجزيرة المثيرة للمتاعب! ولم تمض 5 دقائق حتى وجدت نفسي خارج المطار، ودون أن يوجه إلي أي سؤال أو تفتح حقائبي. مرحبا بك في طهران.. مطار حديث ونظيف يعطي أول انطباع بأن إيران ليست البلد الذي تشوه صورته الولايات المتحدة، ثم تتبرع مخيلة عامة الناس في رسم بقية الصورة الشيطانية عن إيران والإيرانيين. كان في استقبالي في المطار فتاة تتحدث الإنغليزية بطلاقة وتبدو أجنبية فسألتها عن جنسيتها فقالت إنها نصف إيرانية ونصف ألمانية.. ولم نتبادل سوى عبارات الترحيب القليلة ثم أقلتني سيارة من المطار الذي يبعد 80 كيلومترا عن قلب العاصمة طهران. كنت حريصا رغم سرعة السائق في القيادة وسط الزحام الشديد على تأمل كل شيء.. الناس الشوارع السيارات اللافتات المنازل المحلات دور السينما المكتبات.. كانت إيران تبدو لي أنها بخير وأنها عاصمة حديثة نسبيا أكثر من العديد من الدول التي زرتها. ومع ذلك فلا بد أن أتريث في حكمي على إيران لأن ما أراه هنا في طهران، وأعني الصورة الجميلة حتى الآن، قد لا أراه في المدن الأخرى البعيدة والنائية إن قدر لي الذهاب إليها. وصلنا الفندق ويبدو أنه بمستوى أربعة نجوم، غرفه واسعة جدا ونظيفة، قرأت بعض تعليمات أمن الفندق بأن لا أتحدث إلى أي أجنبي لا أعرفه، وأن لا أسمح لأي أحد بتوقيفي أو مساءلتي ما لم يكن شرطيا وبالزي الرسمي، وأن لا أقبل أي عرض لجولة سياحية إلا من شركة معروفة أو تبديل العملة من أي مكان سوى البنوك الرسمية أو من خلال الفندق. أخذت الملاحظات بجدية، ودون أن آخذ قسطا من الراحة خرجت للتجول ليلا في الشوارع، وحاولت قليلا الاحتكاك بالناس في بعض المحلات، وللأسف الشديد كانت اللغة عائقا كبيرا في التواصل لأن الإيرانيين بشكل عام لا يتحدثون الإنغليزية أو العربية رغم أن اللغة الفارسية تكتب بالحروف العربية. دخلت محل تصوير فوتوغرافي لشراء قارئة كرت الذاكرة لكاميرتي، ولم أستطع التواصل مع البائع حتى تدخلت فتاة كانت في المتجر بلغة إنغليزية بسيطة (لا أريد أن أستخدم وصف كتّاب الروايات المحترفين "بلغة إنغليزية ركيكة"!) أن تساعدني، ثم سألتني والبائع من أي بلد أنا فأجبت بأنني فلسطيني، حينها أعاد لي البائع جزء من المبلغ الذي دفعته كنوع من الخصم الخاص، وشرحت لي الفتاة أن ذلك من أجل فلسطين. للأمانة لم أكن أتردد في كثير من البلاد التي زرتها من الإشارة إلى أنني فلسطيني لأنها كانت تستدر نوعا من التعاطف الذي يصرف عني أحيانا محاولة أي شخص استغلالي كسائح أجنبي أو كغريب عن الديار، ليس إلا! خرجت من المتجر وبعد قليل من التجول دخلت إلى مطعم لتناول العشاء.. كان الطعام لذيذا كما خبرته من المطاعم الإيرانية في قطر. طلبت فاتورة الحساب ووضعت مبلغا من المال.. فعاد لي صاحب المطعم الذي أدرك أنني أجنبي لا أتحدث الإيرانية وقال إن المبلغ الذي دفعته أكبر من المبلغ المطلوب ظنا منه أنني أخطأت في حساب العملة، فأخبرته أنها إكرامية لحسن الخدمة فشكرني كثيرا وشكرته في قلبي على أمانته لأنني في أول يوم كنت بحاجة شديدة إلى هذا الشعور.

عندما وصفت الرواية التي تناولها روبرت فيسك في كتابه الأفغان بأوصاف قاسية، علق في ذهني تعبير "عفاريت بمظهر بشري"، وهي نفس الصورة التي تتبادر إلى الذهن كلما سمعت إلى الأوصاف الأمريكية التي تطلق كل يوم على إيران والإيرانيين. ورغم أنني صحفي أمحص كل شيء قبل أن أستقبله بشكل تلقائي، ورغم أنني أدرك خطورة لعبة الإعلام والزيف الشديد الذي تنطوي عليه الصور التي تنقلها وسائل الإعلام المتحيزة، إلا أنني حقيقة وجدت نفسي متأثرا بسطوة الإعلام وسطوة الصورة التي نراها عن إيران، وهي صورة حشود غاضبة تحرق العلم الأمريكي وتهتف الويل للشيطان، أو صور العروض العسكرية للجيش الإيراني كقوة عسكرية ونووية تهدد المنطقة، أو صور الساسة الإيرانيين المتجهمين وتصريحاتهم بالتهديد والوعيد. كان آخر ما قرأته في مجلة النيوزويك عن إيران يندرج في نفس هذا السياق، وللأسف الشديد فإن هذه المجلة الشهيرة لم تتسم - في رأيي- بالتوازن عندما تناولت إيران، ولم تختلف كثيرا عن وجهة النظر الأمريكية الرسمية، واختلط لديها دور الصحفي بالسياسي عندما تحدثت عن مخاوف الولايات المتحدة من اعتقال طهران لأكاديميين إيرانيين اثنين يحملان الجنسية الأمريكية بتهمة التجسس لصالح واشنطن، في حين أن العشرات يقبعون في المعتقلات الأمريكية بحجة مكافحة الإرهاب دون توجيه أي تهمة لهم. الشاهد في هذا كله أنني لم أجد في ظهران "عفاريت بمظهر بشري"، بل وجدت أناس بسطاء كغيرهم من البشر.

الساعة أصبحت الخامسة وأنا أسمع الآن أذان الفجر، بعد أن صليت لم يتبق أمامي سوى ساعتي نوم قبل الاستيقاظ والاستعداد ليوم حافل في المهرجان، وقبل أن أسلم جفني للنوم كانت السماء صافية، وكنت أستطيع أن أرى النجوم من نافذة الفندق الصغيرة وأنا مستلق على السرير.. إنه يوم جميل.

Comment

Comment

ابتسامة في الجحيم..

صورة ثلاثة أطفال في مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان

كتب منتصر مرعي في 16/1/2010

مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين – لبنان

ما أجمل المخيم المنكوب يغرق في حضن الأصيل!

كنت أنقل الخطو سريعا في أزقة مخيم “صبرا وشاتيلا” للاجئين الفلسطينيين لإنهاء التصوير، وعندما اعتليت سطح إحدى البنايات لالتقاط صورة “جميلة"، عاجلني هذا الثلاثي النكد من أطفال المخيم حول وأمام الكاميرا!

أنا: ابتعد يا حبيبي.. أرجوك شارفنا على الانتهاء.. أنتظر موعدا هاما.. هاما للغاية!

الثلاثي النكد: ماذا تصورون (يتقافزون أمام وحول الكاميرا)؟!

أنا: الدنيا الجميلة في مرتع الموت هذا يا حبيبي! ألا ترى نوافذه مشرعة للنسيم من كل صوب؟! هنا تهيم الروح حيث لا زمان ولا مكان ولا حدود ولا قيود! ألا ترى ثغور الصبايا منحوتة على جدران المخيم؟! أنظر كيف أُعملت فيها ريش البنادق والمدافع.. وسقتها من رحيق البارود حتى سال عن حد الشفاه..

الثلاثي النكد: ماذا تفعلون؟!

أنا: يا للقرود الثلاثة.. اسمعوا.. اتركوا المصور وشأنه.. ودعوني ألتقط لكم صورة معا.. ما رأيكم؟!

كالعصافير النبيلة تطير في سماء المخيم.. من أين يأتي كل هذا السعد؟! هذا الشهد.. هذا الورد؟!

 التقطت الصورة ورحلت عن المخيم وأنا أفكر بالقرود الثلاثة..

لا تفارقني صورتهم..

ليتني عرفت أسماءهم!

آثار الرصاص وندوب الحرب الأهلية في مخيم صبرا وشاتيلا للاجئيين الفلسطينيين في لبنان.

 

Comment

       شارع الذكريات.. لندن       

  
     
    
       
        
           
                
           
        

        

       
    
     
  


      كتب منتصر مرعي يوم 28 سبتمبر 2011   عندما تخرج من محطة قطار الأنفاق في وقت متأخر في لندن، تخرج من عالم إلى عالم، “إلغين أفينيو” شارع وديع يكاد يخلوا من المارة، ومحلات مقفلة إلا أنها لم تسدل ستارا من حديد، ولا أجمل لشخص مثلي من مراقبة المتاجر من خلف الزجاج وهي مقفلة في المساء! مقهى “روماز” الصغير الحميم، الكراسي مقلوبة على الطاولات، وأتذكر طاولتي التي شربت عليها آخر فنجان من شاي الياسمين عصر اليوم. وعلى الناصية الأخرى متجر بضاعته التاريخ، ويبيع الذكريات.. إنه “فايل” للتحف والمقتنيات القديمة.. أشعر أنها تصحو عندما ينام الناس، وتتألق في المساء العتيق كما كانت، ولكل منها ذكريات صاحبها الأول الذي تخلى عنها طوعا أو كرها.  لا يكدر صفو الشارع إلا بعض السيارات.. وصوت معدتي! لقد شربت اليوم -ربما- خمس فناجين قهوة لأنني قرأت دراسة في الصباح تقول إن نسبة الاكتئاب أقل بـ 15% لمن يشربون 3 فناجين قهوة على الأقل يوما.. وبعد توعك معدتي رجعت مرة أخرى للدراسة في المساء فوجدت أن ذلك ينطبق على النساء فقط!   فقه القهوة  فنجان قهوة تركية، وآخر “أمريكان كوفي” و"اسبريسو"! كلما دخلت مقهى في موعد أو عمل سألت ماذا لديكم من القهوة؟ فيردون بقائمة طويلة، أتظاهر بالاهتمام بها رغم أني لا أحب القهوة ولست خبيرا بها على الإطلاق. ولكن اختلاق الحديث وادعاء المعرفة بأنواع القهوة ضروري لاكتمال المشهد من جهة، ومحاولة معرفة سر هذا المشروب الذي يعدل المزاج من جهة أخرى. وللأمانة، أمران لم أدركهما بعد في القهوة: اعتدال المزاج فضلا عن طعمها المر! وحالة الانتباه التي لم تعتريني مرة واحدة في حياتي بسبب القهوة، بل إن قدرتي على النوم مباشرة بعد كل هذه الفناجين كانت عجيبة! ولعل عقدة سخرية أصحابي من جهلي بسر القهوة حملتني على التكرار مرارا ومرارا.. يا لفقه القهوة!   سعاد حسني  ها أنا أنعطف من شارع.. إلى شارع “ميدا فايل"، أسير وقد فرشت لي الأضواء على جانبي الطريق بساطا ذهبيا، أسير فيه ولا أريد أن ينتهي أو أن أصل إلى حيث أريد: الشقة التي أقيم فيها..  بالمناسبة، وللصدفة العجيبة فإن الشقة التي أقيم فيها مؤقتا هي لصديق عزيز وأحمق في نفس الوقت! واكتشفت أن الممثلة المصرية سعاد حسني كانت تقيم في شقة مقابلة في نفس العمارة الطويلة. أستطيع من النافذة أن أرى الشرفة التي سقطت منها رحمها الله..  قيل عن سعاد حسني الكثير، وأنا أتذكر منها ذاك المسلسل الذي أضحكني صغيرا وتابعت كل حلقاته: "هو وهي” مع الممثل أحمد زكي رحمه الله. كلاهما أضحكاني كثيرا. وأذكر من سعاد حسني والدها الخطاط الكبير محمد حسني البابا، وهو أستاذ ومعلم الخطاط المصري “حمدي” الذي ابتكر وخط شعار قناة الجزيرة بالحرف العربي. كلهم أفضى إلى ربه بما عمل، رحمهم جميعا.

Comment

شارع الذكريات.. لندن

كتب منتصر مرعي يوم 28 سبتمبر 2011

عندما تخرج من محطة قطار الأنفاق في وقت متأخر في لندن، تخرج من عالم إلى عالم، “إلغين أفينيو” شارع وديع يكاد يخلوا من المارة، ومحلات مقفلة إلا أنها لم تسدل ستارا من حديد، ولا أجمل لشخص مثلي من مراقبة المتاجر من خلف الزجاج وهي مقفلة في المساء! مقهى “روماز” الصغير الحميم، الكراسي مقلوبة على الطاولات، وأتذكر طاولتي التي شربت عليها آخر فنجان من شاي الياسمين عصر اليوم. وعلى الناصية الأخرى متجر بضاعته التاريخ، ويبيع الذكريات.. إنه “فايل” للتحف والمقتنيات القديمة.. أشعر أنها تصحو عندما ينام الناس، وتتألق في المساء العتيق كما كانت، ولكل منها ذكريات صاحبها الأول الذي تخلى عنها طوعا أو كرها.

لا يكدر صفو الشارع إلا بعض السيارات.. وصوت معدتي! لقد شربت اليوم -ربما- خمس فناجين قهوة لأنني قرأت دراسة في الصباح تقول إن نسبة الاكتئاب أقل بـ 15% لمن يشربون 3 فناجين قهوة على الأقل يوما.. وبعد توعك معدتي رجعت مرة أخرى للدراسة في المساء فوجدت أن ذلك ينطبق على النساء فقط!

 فقه القهوة

فنجان قهوة تركية، وآخر “أمريكان كوفي” و"اسبريسو"! كلما دخلت مقهى في موعد أو عمل سألت ماذا لديكم من القهوة؟ فيردون بقائمة طويلة، أتظاهر بالاهتمام بها رغم أني لا أحب القهوة ولست خبيرا بها على الإطلاق. ولكن اختلاق الحديث وادعاء المعرفة بأنواع القهوة ضروري لاكتمال المشهد من جهة، ومحاولة معرفة سر هذا المشروب الذي يعدل المزاج من جهة أخرى. وللأمانة، أمران لم أدركهما بعد في القهوة: اعتدال المزاج فضلا عن طعمها المر! وحالة الانتباه التي لم تعتريني مرة واحدة في حياتي بسبب القهوة، بل إن قدرتي على النوم مباشرة بعد كل هذه الفناجين كانت عجيبة! ولعل عقدة سخرية أصحابي من جهلي بسر القهوة حملتني على التكرار مرارا ومرارا.. يا لفقه القهوة!

 سعاد حسني

ها أنا أنعطف من شارع.. إلى شارع “ميدا فايل"، أسير وقد فرشت لي الأضواء على جانبي الطريق بساطا ذهبيا، أسير فيه ولا أريد أن ينتهي أو أن أصل إلى حيث أريد: الشقة التي أقيم فيها..

بالمناسبة، وللصدفة العجيبة فإن الشقة التي أقيم فيها مؤقتا هي لصديق عزيز وأحمق في نفس الوقت! واكتشفت أن الممثلة المصرية سعاد حسني كانت تقيم في شقة مقابلة في نفس العمارة الطويلة. أستطيع من النافذة أن أرى الشرفة التي سقطت منها رحمها الله..

قيل عن سعاد حسني الكثير، وأنا أتذكر منها ذاك المسلسل الذي أضحكني صغيرا وتابعت كل حلقاته: "هو وهي” مع الممثل أحمد زكي رحمه الله. كلاهما أضحكاني كثيرا. وأذكر من سعاد حسني والدها الخطاط الكبير محمد حسني البابا، وهو أستاذ ومعلم الخطاط المصري “حمدي” الذي ابتكر وخط شعار قناة الجزيرة بالحرف العربي. كلهم أفضى إلى ربه بما عمل، رحمهم جميعا.

Comment